محمد كامل حسين
284
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب
« كل واحدة من الأمم موصوفة بالتقدم في علم ما أو عمل ، واليونانيون منهم قبل النصرانية موسومون بفضل العناية في المباحث وترقية الأشياء إلى أشرف مراتبها وتقريبها من كمالها . ولو كان ديسقوريدس في نواحينا وصرف جهده على تعرف ما في جبالنا وبوادينا لكانت تصير حشائشها كلها أدوية وما يجتنى بحسب تجاربه شافية . ولكن ناحية المغرب فازت به وبأمثاله وأفادتنا بمشكور مساعيهم علما وعملا » ( من كتابه الصيدنة في الطب ) . ولقى مترجمو كتاب الحشائش لديسقوريدس صعوبات جمة نجد صداها فيما ذكره ابن أبي أصيبعة عن لسان ابن جلجل إذ يقول « إن كتاب ديسقوريدس ترجم بمدينة السلام ( أي بغداد ) في الدولة العباسية في أيام جعفر المتوكل ( 847 - 861 ) وكان المترجم له اصطفن بن بسيل الترجمان من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي ، وتصفح ذلك حنين بن إسحاق المترجم فصحح الترجمة وأجازها « 1 » . فما علم اصطفن من تلك الأسماء اليونانية في وقته له اسما في اللسان العربي فسره بالعربية ، وما لم يعلم له في اللسان العربي اسما تركه في الكتاب على اسمه اليوناني إشكالا منه على أن يبعث اللّه بعده من يعرف ذلك ويفسره باللسان العربي ، إذ التسمية لا تكون بالتواطؤ من أهل كل بلد على أعيان الأدوية ما رأوا وأن يسموا ذلك إما باشتقاق وإما بغير ذلك من تواطئهم على التسمية » . ولذا نجد في الترجمة العربية عددا كبيرا من المواد حافظة لصيغتها اليونانية واكتفى المترجم بكتابتها بحروف عربية . وكتبه الخمسة أو مقالاته في المادة الطبية من أساسيات ما ترجمه العرب وهي :
--> ( 1 ) لتاريخ هذه الترجمة وصعوبة اختيار المصطلحات العربية المناسبة وانتشار هذه الترجمة في البلاد العربية قصة طويلة رواها ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء ج 2 ص 46 - 48 . انظر أيضا الأمير مصطفى الشهابي ، تفسير كتاب ديسقوريدس لابن البيطار ، في مجنة معهد المخطوطات العربية ، مايو 1957 ، ص : 105 - 112 .